ابن أبي العز الحنفي
42
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّكَالِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِي الْعُقْبَى مِنَ الْعَذَابِ ( 1 ) فَهُوَ جَزَاءُ مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ التَّوْحِيدِ . فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ فِي التَّوْحِيدِ وَحُقُوقِهِ وَجَزَائِهِ ، وَفِي شَأْنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَجَزَائِهِمْ . فَ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } تَوْحِيدٌ ، { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } تَوْحِيدٌ ، { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } تَوْحِيدٌ مُتَضَمِّنٌ لِسُؤَالِ الْهِدَايَةِ إِلَى طَرِيقِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ ، { الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } ( 2 ) الَّذِينَ فَارَقُوا التَّوْحِيدَ . وَكَذَلِكَ شَهِدَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا التَّوْحِيدِ ، وَشَهِدَتْ لَهُ بِهِ مَلَائِكَتُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ . . قَالَ تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } ( 3 ) . فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ إِثْبَاتَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ ، وَالرَّدَّ عَلَى جَمِيعِ طَوَائِفِ الضَّلَالِ ، فَتَضَمَّنَتْ أَجَلَّ شَهَادَةٍ وَأَعْظَمَهَا وَأَعْدَلَهَا وَأَصْدَقَهَا ، مِنْ أَجَلِّ شَاهِدٍ ، بِأَجَلِّ مَشْهُودٍ بِهِ . وَعِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي ( شَهِدَ ) - تَدُورُ عَلَى الْحُكْمِ ، وَالْقَضَاءِ ، وَالْإِعْلَامِ ، وَالْبَيَانِ ، وَالْإِخْبَارِ . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا حَقٌّ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهَا ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَخَبَرَهُ ، وَتَتَضَمَّنُ إِعْلَامَهُ وَإِخْبَارَهُ وَبَيَانَهُ . فَلَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ : فَأَوَّلُ مَرَاتِبِهَا : عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ وَاعْتِقَادٌ لِصِحَّةِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَثُبُوتِهِ . وَثَانِيهَا : تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيْرَهُ ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهَا مَعَ نَفْسِهِ وَيَتَذَكَّرُهَا وَيَنْطِقُ بِهَا أَوْ يَكْتُبُهَا . وَثَالِثُهَا : أَنْ يُعْلِمَ غَيْرَهُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ وَيُخْبِرُهُ بِهِ
--> ( 1 ) عبر بقوله : « وما فعل » بصيغة الماضي - لأن ما توعد الله به أهل الشرك متحقق ثابت بموتهم مشركين . فكأنه وقع فعلا ، وذلك التعبير - بصيغة الماضي الواقع عما سيكون يوم القيامة - كثير في القرآن . ( 2 ) سورة الفاتحة : 1 ، 2 ، 6 ، 7 . ( 3 ) سورة آلِ عِمْرَانَ الآيتان : 18 - 19 .